الشيخ محمد اليعقوبي
205
خطاب المرحلة
وهكذا نحن في هذه الدنيا ، فإنها سجن للبشر لا بد أن يتحرّر منه الإنسان في يومٍ ما ويموت وينتقل إلى العالم الآخر ( وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ ) ( وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ ) وقد ضرب الله تبارك وتعالى لنا في القرآن الكريم الكثير من الأمثلة ، وحث على التدبر فيها والتأمل في حقائقها ، ومن فائدة الأمثال أنها تقرّب الفكرة وتقنع الإنسان بها لأنسه بالصورة المحسوسة عنده . فالإنسان المغرور الذي يقول ( أنا ربكم الأعلى ) ويعتقد أنه قادر على فعل ما يريد ويعيش نشوة السلطة وسكر الجاه والقوة وكثرة الأتباع ، ولا يقتنع بحقيقته العاجزة القاصرة التي لا تملك ضراً ولا نفعاً ، ولكن إذا ضرب له مثل لضعفه وعجزه ( يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ) ( الحج : 73 ) فإنه يصحو من غروره وجهله ويذعن إلا من يجحد الحقائق ، وقد استيقنت بها أنفسهم ظلماً وعتوّا . ومما يضرب به الأخلاقيون من أمثال لحقيقة الفريقين الذين ذكرناهما ، بشخصين كتب عليهما السفر لأداء فريضة الحج واتخذا راحلتيهما للسفر ، فواحدٌ جهّز راحلته بما يحتاج لسفره وحينما حان وقت السفر خرج إلى مقصده فوصل وأدى ما عليه وبلغ أمنيته ، وآخر انشغل بتزيين دابته والاعتناء بها وبمظهرها حتى فاته وقت السفر وفاتته الرحلة ، فانشغل بالوسيلة عن الهدف . هذه الأمثلة قد تبدوا غريبة لكنها حاكية بدقة عن واقع الناس اليوم فهم ينشغلون بالوسائل التي مكنّهم الله تبارك وتعالى منها كالمال والجسد ويغفلون عن الهدف الذي خلقوا من أجله وهو رضا الله تبارك وتعالى ، فلا بد من اليقظة من الغفلة ، ولا بد من المعرفة ومن المراقبة ومن الموعظة المستمرة ، ونشر هذه المواعظ والمعارف في المجتمع خصوصاً من قبل الفضلاء والمبلّغين وأئمة الجماعة وخطباء الجمعة والمنبر ، والمثقفين الرساليين ، والله الهادي إلى سواء السبيل .